عبد الوهاب الشعراني

404

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

والكل منه وإليه ، فكما خلق الري عند الشرب والشبع عند الطعام ، فكذلك يحرسك عند قولك ما أمرك اللّه تعالى بقوله فاعلم ذلك . وروى الطبراني بإسناد لا بأس به عن عبد اللّه بن بسر قال : خرجت من حمص فآواني الليل إلى البيعة فحضرني أهل الأرض فقرأت هذه الآية من الأعراف : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأعراف : 54 ] . إلى آخر الآية ، فقال بعضهم لبعض احرسوه الآن حتى يصبح ، فلما أصبحت ركبت دابتي ، واللّه تعالى أعلم . [ الدعاء للمسلمين بظهر الغيب وفائدته : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن ندعو لإخواننا المسلمين بظهر الغيب لا سيما المسافرون ، وأول ما ترجع منفعة ذلك علينا بقول الملك « ولك مثله » . واعلم أن من جملة الدعاء للإخوان قولنا اللهم لا تستجب لنا دعاء على أحد من إخواننا وأولادنا وغيرهم حال غضب منا عليهم ، فإن اللّه تعالى ربما لم يستجب دعاءنا فيهم ، وهذا معدود من الشفقة والرحمة بالإخوان والأولاد والأهل وغيرهم ، فربما دعا الإنسان على من يحبه في حال غضب فيستجيب اللّه تعالى دعاءه فيه فيندم على ذلك ويطلب رد السهم فلا يرتد . وبالجملة فكل ما فعله الإنسان مع الخلق يرجع عليه نظيره ، فإن لم يدركه ذلك أدرك ذريته من بعده ، وقد تقدم في هذه العهود قول أبي النجاء القوي رحمه اللّه تعالى لأصحابه لما سألوه الوصية لهم وهو محتضر : اعلموا أن الوجود كله يقابلكم بحسب ما برز منكم من الأعمال ، فانظروا كيف تكونون ؟ من رجع عليه سوء فلا يلومن إلا نفسه : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى مسلم وأبو داود واللفظ له مرفوعا : « إذا دعا الرّجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة ولك مثل ذلك » . وروى الطبراني مرفوعا : « دعوتان ليس بينهما وبين اللّه حجاب : دعوة المظلوم ، ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب » . وروى أبو داود مرفوعا : « إنّ أسرع الدّعاء إجابة دعوة غائب لغائب » . وفي رواية لأبي داود والبزار والترمذي مرفوعا : « ثلاث دعوات مستجابات لا شكّ فيهنّ : دعوة الوالد ، ودعوة المظلوم ، ودعوة المسافر » واللّه تعالى أعلم . [ حب الموت في بلاد الغربة إذا مرض المسلم فيها : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) إذا مرضنا في بلاد الغربة أن نحب الموت هناك ، تقديما لمراد اللّه تعالى على مرادنا ، ورغبة في الثواب الوارد فيمن مات غريبا . والسر في ذلك أن من مات غريبا يكون معوّلا على فضل اللّه تعالى دون الخلق ، بخلاف من مات بين أهله وعشيرته فإنه يموت وهو راكن إلى نفعهم له ، وفي الحديث : « أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » .